محمد أبو زهرة

1313

زهرة التفاسير

مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15 ) [ الحديد ] وقد أشار إلى هذا العذاب بقوله سبحانه : وَلَوِ افْتَدى بِهِ أي لو افتدى نفسه من عذاب الآخرة بمثل الذهب الذي يملأ الأرض . والواو هنا تفيد أنه لا يقبل منه أي إنفاق يقدمه ولو كان ذلك الإنفاق قدمه ليفتدى به نفسه من عذاب اللّه . ثم بين سبحانه العذاب بقوله تعالى : أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ . أي أولئك الذين ماتوا وهم كفار بسبب الكفر الذي لازموه حتى موتهم ، لهم عذاب مؤلم شديد الإيلام مستمر ، وليس لهم ناصر ، و ( من ) هنا لاستغراق النفي ، أي ليس لهم أي ناصر مهما يكن ، فمن كانوا يتخذونهم شفعاء لا يشفعون لهم ، والرسل الذين كانوا يتعلقون بهم لا يعرفونهم ، ولا نجاة لهم من عذاب اللّه ، لا بفدية يفتدون بها أنفسهم ، ولا بناصر ينصرهم من دون اللّه ، وبذلك يكونون حطب جهنم والنار مأواهم وبئس المصير ، وللّه الأمر من قبل ومن بعد . وهنا بحث لفظي أثاره إمام اللغة الزمخشري ، وهو لما ذا عبر في الآية السابقة في الخبر من غير فاء ، في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وفي هذه الآية أتى بالفاء فقال : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ إلى آخره ، وقد أجاب عن ذلك بقوله : « قد أوذن بالفاء أن الكلام بنى على الشرط والجزاء ، وأن سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر ، وبترك « الفاء » أن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبب ، كما تقول : الذي جاءني له درهم ، لم تجعل المجىء سببا في استحقاق الدرهم ، بخلاف قولك : فله درهم . وإن ذلك الكلام مغزاه أن اللّه سبحانه وتعالى أراد أن يبين لهم أن هذا الجزاء نتيجة للعمل ، وأنه مسبب عنه لأن الجزاء من جنس الفعل دائما ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . وأما في الآية الأولى فلأن عدم قبول التوبة ليس جزاء ؛ إذ معناه عدم وجود توبة صالحة للقبول ؛ أجرى القول مجرى الإخبار كأنه وصف ملازم لحالهم ، أو هو حال أخرى من أحوالهم ، وإذا كان الجزاء من جنس العمل دائما ، فإن اللّه بعد أن بين جزاء الشر بين سبحانه جزاء الخير فقال تعالت كلماته :